ترى الباحثة في «هورن ريفيو» سامية محمد أن التوقعات بشأن عدم قدرة إسرائيل على إيجاد فرصة لتحسين علاقاتها مع السعودية، رغم توسع الرياض في تبادل المعلومات الاستخباراتية وتقديم الدعم العسكري خلال حملتها ضد الحوثيين، تبدو صحيحة على المستوى الرسمي، لكنها لا تعكس الصورة كاملة. فخلف التصريحات العلنية والمراسم الدبلوماسية، يتبلور تقارب أكثر هدوءًا بين الجانبين، بعدما أصبح التنسيق التكتيكي واقعًا اعتياديًا، في حين تظل العلاقات الرسمية استثناءً.

 

وتقود هشاشة الموقف السعودي، وليس الفرصة الإسرائيلية، هذا التعاون، فيما تظل القضية الفلسطينية عاملًا حاسمًا يتقدم على منطق مواجهة عدو مشترك. فقد تراجع الاعتقاد القديم بأن وجود خصم مشترك سيعجل بتطوير العلاقات غير المعلنة، لصالح حسابات تتعلق بالشرعية الداخلية والإقليمية. وتبقى واشنطن حلقة الوصل التي لا غنى عنها، إذ توفر الغطاء السياسي وأدوات الاستهداف والوساطة. وبذلك، تعمل إسرائيل والسعودية بالفعل كطرفين متحاربين بحكم الضرورة ضد الحوثيين عبر قنوات أمريكية.

 

وقد يتعمق هذا التعاون تحت ضغط الهجمات، لأن البديل يتمثل في سيطرة الحوثيين على موقع يضر باقتصاد البلدين ومكانة السعودية. لكن إقامة علاقات رسمية أو فتح سفارات أو إبرام اتفاقات دفاعية معلنة أو توسيع اتفاقات أبراهام تظل رهينة بعقبات عدة، في مقدمتها الرأي العام السعودي، والاشتراط الفلسطيني، والسياسة الداخلية الإسرائيلية، وانعدام الثقة المتبادل بشأن الطموحات الإقليمية.

 

 

مكاسب الحوثيين تدفع الرياض إلى طلب دعم استخباراتي

 

حقق الحوثيون أكبر مكاسبهم الميدانية منذ سنوات، بعدما سيطروا على المخا وجزيرتي بريم وميون، وأصبحوا في موقع يسمح لهم بتهديد مضيق باب المندب. كما استهدفوا خطوط أنابيب النفط السعودية، ما أدى إلى توقف جزئي في عملياتها، وقصفوا مسجدًا قرب الحدود واستهدفوا مواقع مدنية، بينما تواجه السفن السعودية مخاطر حصار فعلي.

 

وتسعى السعودية إلى الحصول على مزيد من الدعم عبر مناشدة مصر ودول الخليج مباشرة، والضغط على واشنطن لتوسيع مساعدتها التي يقدمها نحو مئة إلى مئتي مستشار أمريكي في مجالي الاستهداف والدعم الجغرافي المكاني، إلى جانب اتباع مقاربة غير مباشرة مع إسرائيل عبر القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم».

 

وأفادت مصادر دبلوماسية إقليمية عدة بإجراء محادثات بشأن تقديم إسرائيل مساعدات استخباراتية تركز على انتشار الحوثيين ونواياهم والمشهد البحري. كما أشارت تقارير إلى أن هذه المساعدات بدأت بالفعل في التدفق.

 

ولا يمثل ذلك ظاهرة جديدة، إذ تكشف وثائق مسربة من «سنتكوم» وتقارير سابقة مشاركة السعودية في «منظومة الأمن الإقليمي» التي ترعاها الولايات المتحدة، والتي شملت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل بشأن إيران والحوثيين وسوريا وتنظيم «داعش»، حتى خلال حرب غزة.

 

كما سبق أن أعلن الحوثيون ونظموا اعترافات مصورة بشأن شبكة تجسس سعودية أمريكية إسرائيلية مشتركة تعمل من الأراضي السعودية. وفي المقابل، نجحت إسرائيل بصورة مستقلة في اختراق قيادة الحوثيين عبر عمليات استهداف للقيادات خلال عام 2025، واكتسبت خبرة عملياتية في التعامل مع الجماعة.

 

وبالتالي، يمثل الطلب السعودي الحالي تصعيدًا لممارسة قائمة بالفعل تحت وطأة ضغوط حادة، وليس اختراقًا مفاجئًا للعلاقات بين الرياض وتل أبيب.

 

 

القضية الفلسطينية تعرقل توسيع اتفاقات أبراهام

 

تطرح هذه المعطيات سؤالًا أساسيًا: لماذا لا تتجه العلاقات الرسمية إلى التحسن رغم تنامي التعاون السري؟

 

تخضع كل خطوة إسرائيلية في السياسة الخارجية حاليًا لحسابات الانتخابات الداخلية، ولذلك قد تُستغل أي مساعدة إسرائيلية معلنة لأغراض تتعلق بصورة الائتلاف الحاكم. أما السعودية فتحتاج إلى العكس تمامًا، أي الحفاظ على إمكانية إنكار تعاونها أمام الرأي العام.

 

وقد أدت حرب غزة، ومشاهد الدمار، والعمليات الإسرائيلية خارج القطاع، إلى تشديد الموقف السعودي، الذي بات يطرح إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية باعتبارها مطلبًا غير قابل للتفاوض. ولم تعد الرياض تتعامل مع هذا المطلب كورقة تفاوضية، بل كجزء من موقف مبدئي.

 

كما صورت وسائل الإعلام والمسؤولون السعوديون الارتباط بإسرائيل باعتباره عبئًا استراتيجيًا قد يستورد عدم الاستقرار دون أن يمنح السعودية قدرة أكبر على التحكم في تداعياته.

 

وكشفت الحملة السعودية في اليمن منذ عام 2015 عن محدودية القدرة العسكرية المستقلة للرياض، إذ لم تتحول القوة النارية الكبيرة التي تظهرها مؤشرات التسليح إلى نتائج حاسمة في مواجهة وكيل إيراني. ومن شأن التوجه علنًا إلى إسرائيل طلبًا للمساعدة أن يكشف هذا الضعف، وأن يفرض تكلفة سياسية داخلية لا تستطيع رؤية 2030 تحملها.

 

لذلك، تبدو الرواية التي تتحدث عن غياب انفراجة رسمية صحيحة، لكنها تظل ناقصة إذا تجاهلت واقع التعاون الهادئ القائم بين الطرفين.

 

 

تعاون سري بلا تحالف معلن

 

لا تحتاج السعودية إلى تحالف علني مع إسرائيل لتحقيق أهدافها الحالية، بل تحتاج إلى معلومات استخباراتية وبيانات استهداف ووعي بالمشهد البحري. وتملك الولايات المتحدة القنوات التي تتيح نقل هذه القدرات دون صورة مشتركة أو مصافحة أو افتتاح سفارة.

 

وتكشف هذه المعادلة مفارقة اللحظة الراهنة: كلما أصبح التهديد الحوثي أكثر خطورة، زاد التعاون السعودي الإسرائيلي خلف الكواليس، وتراجعت احتمالات اعتراف الطرفين به علنًا. فالعلاقات الرسمية قد تعرض السعودية لاتهامات بالخيانة من مواطنيها ومن قطاعات واسعة في العالم الإسلامي، بينما يتيح التعاون غير المعلن تحقيق الفوائد العملياتية ذاتها دون التكلفة السياسية.

 

وتراجع منطق العدو المشترك الذي كان يعجل بالتقارب غير الرسمي أمام اعتبارات الشرعية الداخلية والإقليمية. فالطرفان يعتبران الحوثيين تهديدًا مشتركًا، لكنهما لا ينطلقان من قضية مشتركة. تقاتل السعودية الحوثيين لحماية حدودها ونفطها ومكانتها، بينما تواجههم إسرائيل لحماية طرق الشحن وإضعاف شبكة النفوذ الإيرانية، في حين تحاربهم واشنطن للحفاظ على انفتاح البحر الأحمر أمام التجارة العالمية.

 

وتتقاطع هذه المصالح لكنها لا تندمج. والنتيجة هي تقارب تكتيكي حقيقي وعملي وقابل للإنكار، وليس تحالفًا سياسيًا. إنها شراكة مصلحة تجري عبر وسطاء أمريكيين.

 

وسيتحدد مستقبل هذا التقارب وفقًا لتطورات الميدان. فإذا واصل الحوثيون تحقيق مكاسب ميدانية وتهديد الملاحة، ستحتاج السعودية إلى مزيد من المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، لا إلى قدر أقل منها. وإذا انتهت حرب غزة وظهر مسار سياسي موثوق، فقد تعيد الرياض النظر في موقفها العلني. وإذا اتجهت السياسة الداخلية الإسرائيلية نحو مزيد من الاعتدال، فقد تتراجع مستويات انعدام الثقة.

 

لكن لا شيء من ذلك مضمون. أما المؤكد فهو أن قناة الاتصال الهادئة ستظل مفتوحة طالما ظل التهديد مشتركًا، في حين ستبقى العلاقات الرسمية متعثرة ما دامت القضية الفلسطينية بلا حل.

 

وستظل الولايات المتحدة الوسيط الذي لا غنى عنه بين طرفين لا يستطيعان تحمل كلفة الظهور معًا.

 

وفي المحصلة، تعمل السعودية وإسرائيل بالفعل كطرفين متحاربين بحكم الضرورة في مواجهة الحوثيين. ويتبادل الجانبان المعلومات الاستخباراتية عبر قنوات أمريكية، فيما يتواصل التنسيق بشأن الأمن البحري ودعم عمليات الاستهداف، ويتوافق الطرفان في مواجهة خصم مشترك.

 

لكن ذلك لا يجعلهما حليفين أو شريكين، ولا حتى طرفين تربطهما علاقات ودية. فما زالا دولتين مستقلتين تتقاطع مصالحهما في مجالات محدودة، بينما تظل أنظمتهما السياسية وحساباتهما الداخلية وطموحاتهما الإقليمية متعارضة بصورة جوهرية.

 

ويتعاون كل طرف مع الآخر بصورة وظيفية عندما تفرض الضرورة العملياتية ذلك، ويحافظ على إمكانية الإنكار عندما ترتفع الكلفة السياسية. ولا يشكل هذا الترتيب أساسًا لسلام مستدام، بل ينتج بنية من الغموض الاستراتيجي الدائم، قد يمثل فيها الحفاظ على توازن هش، في ظل الظروف الراهنة في الشرق الأوسط، أكثر النتائج استقرارًا المتاحة.

 

https://hornreview.org/2026/09/16/why-the-abraham-accords-will-not-expand-yet/